السيد صادق الموسوي

255

تمام نهج البلاغة

مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضَلَاتِ إِلى أَنْفُسِهِمْ ، وَتَعْويلُهُمْ فِي الْمُبْهَمَاتِ عَلى آرَائِهِمْ . كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نفَسْهِِ . قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فيمَا يَرى بِعُرىً ثِقَاتٍ ( 1 ) ، وَأَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ . فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ ، لَا يَأْلُونَ قَصْداً ، وَلَنْ يَزْدَادُوا إِلّا خَطَأً . لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً ، وَلَنْ يَزْدَادُوا إِلّا بُعْداً مِنَ اللّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - ، لِشِدَّةِ أُنْسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ، وَتَصْديقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ . كُلُّ ذَلِكَ حِيَاداً مِمّا وَرَّثَ الرَّسُولُ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَنُفُوراً عَمّا أَدّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ الْعَليمِ الْخَبيرِ . فَهُمْ أَهْلُ عَشَوَاتٍ ، وَكُهُوفُ شُبُهَاتٍ ، وَقَادَةُ حَيْرَةٍ وَضَلَالَةٍ وَرَيْبَةٍ . مَنْ وكَلَهَُ اللّهُ إِلى نفَسْهِِ وَرأَيْهِِ ، فَاغْرَوْرَقَ فِي الأَضَاليلِ ، فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يجَهْلَهُُ ، غَيْرُ مُتَّهَمٍ عِنْدَ مَنْ لَا يعَرْفِهُُ . فَمَا أشَبْهََ أُمَّةً صُدَّتْ عَنْ وُلَاتِهَا بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا . هذَا وَقَدْ ضَمِنَ اللّهُ قَصْدَ السَّبيلِ ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 2 ) . أَيَّتُهَا الأُمَّةُ الْمُتَحَيِّرَةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا في دينِهَا ، الَّتي خُدِعَتْ فَانْخَدَعَتْ ، وَعَرَفَتْ خَديعَةَ مَنْ خَدَعَهَا فَأَصَرَّتْ عَلى مَا عَرَفَتْ ، وَاتَّبَعَتْ أَهْوَاءَهَا ، وَخَبَطَتْ في عَشْوَاءِ غَوَايَتِهَا . وَقَدِ اسْتَبَانَ لَهَا الْحَقُّ فَصَدَعَتْ عنَهُْ ، وَالطَّريقُ الْوَاضِحُ فتَنَكَبَّتَهُْ . أَمَا وَالَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَوْ كُنْتُمْ قَدَّمْتُمْ مَنْ قَدَّمَ اللّهُ ، وَأَخَّرْتُمْ مَنْ أَخَّرَ اللّهُ ، وَجَعَلْتُمُ الْوِلَايَةَ وَالْوِرَاثَةَ حَيْثُ جَعَلَهَا اللّهُ ، وَاقْتَبَسْتُمُ الْعِلْمَ مِنْ معَدْنِهِِ ، وَشَرِبْتُمُ الْمَاءَ بعِذُوُبتَهِِ ، وَادَّخَرْتُمُ الْخَيْرَ مِنْ موَضْعِهِِ ، وَأَخَذْتُمُ الطَّريقَ مِنْ واَضحِهِِ ، وَسَلَكْتُمُ الْحَقَّ مِنْ نهَجْهِِ ، لَنَهَجَتْ بِكُمُ السُّبُلُ ، وَبَدَتْ لَكُمُ الأَعْلَامُ ، وَأَضَاءَ لَكُمُ الإِسْلَامُ ، فَأَكَلْتُمْ رَغَداً ، وَمَا عَالَ فيكُمْ عَائِلٌ ، وَلَا ظُلِمَ مِنْكُمْ مُسْلِمٌ وَلَا مُعَاهِدٌ . وَلكِنَّكُمْ سَلَكْتُمْ سُبُلَ الظَّلَامِ ، فَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمْ دُنْيَاكُمْ بَرَحْبِهَا ، وَسُدَّتْ عَلَيْكُمْ أَبْوَابُ الْعِلْمِ ،

--> ( 1 ) - موثقات في نسخة العطاردي ص 87 عن نسخة موجودة في مكتبة مدرسة نواب في مدينة مشهد وورد وثيقات . في الكافي ج 8 ص 53 . وغرر الحكم للآمدي ج 2 ص 524 . ( 2 ) الأنفال ، 42 .